اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : الوطن: شمس وطوابع بريد.. وأنتِ (2)


عدنان الصائغ : الوطن: شمس وطوابع بريد.. وأنتِ (2) 



- فصل ثانٍ -
قلتُ لها:
الصقي طوابعَ البريد على مظروفِ الغيمِ
وابعثيهِ على عنوانِ أيّةِ دمعةٍ أو محطةٍ أو شجرةٍ
لا بدَّ وأن يعودَ إلي
لمْ تصدقني..
وجلستْ على حافةِ البحرِ
تترقبُ أسرابَ الطيورِ والمراكب
وخطى ساعي البريدِ الكهلِ..
قلتُ لها:
انتظريني، سأعود من قطارِ الحربِ {المجنون}
لاحدثكِ يا فرحي المخبولَ عن كلِّ ما جرى
بالتفاصيلِ والقنابلِ والملاجيءِ الطويلة وسريري الوحيدِ والذكرياتِ والنسيانِ.
ستمرُّ عليكِ أسرابُ النجومِ والذكرياتُ وظلالُ المدنِ
ستمرُّ عليكِ الطائراتُ وقنابلُ التنويرِ المحنّطةُ..
سيمرُّ عليكِ نخيلُ البصرة والقصيدةُ الأخيرةُ والجنودُ العائدون من الإجازاتِ القصيرةِ
قلتُ لها انتظريني
وجلستُ على حافة قلقي
أترقّب خطى اشتياقكِ وهي تجوسُ أدغالَ قلبي
وتقتربُ.. تقتربُ.. تقتـ..
احذري أن تدوسي لغمَ أحزاني
فلا طاقةَ لكِ على التشظّي…
قلتُ لها:
حضوركِ أقسى من الفرح
كمْ هو قاسٍ فرحي بكِ
يا واسعةَ العينين، يا واسعةَ القلبِ، يا ضيقةَ الصبرِ
قلتُ لها:
سأرهن نصفَ عمري لو تفهمين هذه المعادلةَ التي لا أفهمها
أدمنتُ غيابَكِ حتى وأنتِ قربي
ففيهِ أتأملكِ عن قربٍ
وأكتشفُ أبعادَكِ.. وأبعادَ قلبي..
لمْ تقلْ شيئاً..
ولمْ أقلْ شيئاً..
وافترقنا..
*********
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : هكذا قلتُ لها كلَّ شيء(1)


عدنان الصائغ : هكذا قلتُ لها كلَّ شيء(1) 

فصل أول -
"لا تتعجبوا يا أصدقائي اللطفاء
من أن جبهتي مقطّبةٌ، مجعّدةٌ
فأنا أعيشُ في سلامٍ معَ الناسِ
وفي حربٍ معَ أحشائي.."
- انطونيو ماتشادو -
......
في آخرِ المطرِ
في آخرِ الحربِ
في آخرِ ذكرياتكِ..
مرتِ الحافلاتُ والجنودُ والبناياتُ الطويلةُ وأرقامُ هواتفِ الحبِّ
نظرتُ طويلاً إلى عينيكِ الواسعتين كسماءِ بلادي
وتذكّرتُ نعاسَ قلبكِ... الذي لمْ ينمْ منذ أولِ خفقةٍ أو قذيفةٍ
ونعاسِ ذاكرتي... التي اتعبتها الشوارعُ وغصونُ المواعيدِ المنكسرة وصريرُ السرفاتِ والطيورُ المهاجرةُ عن أعشاشِ روحي، إلى سماواتِ النسيانِ
تذكّرتُ - يا لحماقةِ قلبي -
أنني لمْ أقلْ لكِ حتى الآن
كلمةَ غزلٍ واحدة
لمْ أقلْ لكِ أيَّ شيءٍ...
واعتذرتُ...
فقد كنتُ محتشداً ومهووساً حدَّ الحنجرةِ
بصراخِ ذكرياتي على شارعِ الحربِ الطويلِ
حدَّ أنني نسيتُ
أن أقولَ لكِ حتى وداعاً
عندما أخذوني في قطارِ الحربِ
إلى جنوبِ السواترِ البعيدة
ولكنني عندما عدتُ إليكِ
يا واسعةَ العينين...
تعثرتْ خطى حنجرتي بأغصانِ العشبِ
الذي نبتَ - في غيابي -
على ممشى الكلامِ
المؤدي إلى كلمةِ: أحبكِ
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : البحث عن عنوان


عدنان الصائغ : البحث عن عنوان 

خذْ ثمانيةَ أعوامٍ من عمري، وصفْ لي الحرب
خذْ عشرين برتقالةً، وصفْ لي مروجَ طفولتي
خذْ كلَّ دموعِ العالمِ، وصفْ لي الرغيف
خذْ كلَّ زهورَ الحدائقِ، وصفْ لي رائحةَ شعرها الطويل
خذْ كلَّ البنوكِ والمعسكراتِ والصحفِ، وصفْ لي الوطن
خذْ كلَّ قصائدَ الشعراءِ، وصفْ لي الشاعر
خذْ كلَّ نيونِ مدنِ العالمِ وشوارعها الصاخبةِ،
وصفْ لي لذةَ التسكّعِ على أرصفةِ السعدون
خذْ كلَّ شيءٍ، كلَّ شيءٍ...
وصفْ لي نسيمَ بلادي
أما أنا فغير محتاجٍ لكلِّ هذا...
تكفيني قنينةُ حبرٍ واحدةٌ لأضيءَ العالم
يكفيني رغيفٌ ساخنٌ من تنورِ أمي
لأتأكدَ من حداثتي
أقرُّ أن الكلماتِ امتدادٌ لأصابعي
وأن الحدائقَ امتدادٌ لشعرها الطويل
أقرُّ أن القنابلَ علمتني الكثيرَ
أقرُّ أن القنابلَ مسحتْ الكثيرَ من أحلامي أيضاً
أقرُّ أن القنابلَ لا تكذبُ {كما تفعلُ البياناتُ والقادة}
خذْ إذن كلَّ القنابلِ وصفْ لي بشاعةَ الحربِ
خذْ كلَّ نزيفِ الحربِ... وصفْ لي سلامَ بلادي
أما أنا فغير محتاجٍ لكلِّ هذا
يكفيني أن أضعَ يدي في جيوبِ بنطالي
وأتمشى في الشوارعِ المشمسةِ
أصفرُ للأشجارِ والعابراتِ والبناياتِ العاليةِ وبائعي الصحفِ
لأتأكد من نهايةِ الحربِ...
يكفيني أن يخطيءَ ساعي البريد عنواني
فأتذكّرُ عشرات القنابلِ التي أخطأتْ عنواني
(أعرف أيضاً أن عنواني كثيراً ما ضاع في زُحمة أرقامكِ والأسماءِ والعناوين السريعةِ
فما عدتِ تتذكّرينه كثيراً..
أما أنا فما أن أضعَ أطرافَ أصابعي
على جانبي الأيسر
حتى تدلّني أنفاسُ الدروبِ عليكِ...)
**********
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : انكسارات حرف العين(3)


عدنان الصائغ : انكسارات حرف العين(3) 

- فصل ثالث -
وصولاً إلى الدهشةِ، أتوغلُ في لحاءِ الشجرِ، وصولاً إلى النسغِ صاعداً باتجاه الوريقاتِ وهي تفتحُ عينيها - لأولِ مرةٍ - على عالمِ الخضرةِ والسواقي والأسواقِ. ها أنني أرتعشُ مع أصغرِ برعمٍ في الطبيعةِ، وأخفقُ مع أبعدِ طائرٍ أو نجمةٍ في السماءِ … لي كلُّ هذا
وصولاً إلى الدهشةِ، أنحدرُ باتجاهِ الشوارعِ الخلفيةِ، باتجاهِ بائعةِ القيمرِ، وثرثرةِ صاحبِ الفندقِ عن النساءِ ومسحوقِ الغسيلِ والعرقِ وكراجِ النهضةِ، باتجاهِ الجسرِ الحديديِّ وأوراقِ العشبِ لوالت ويتمان، حتى حروف المصّححِ، مروراً بديوان كزار حنتوش والكتب
باتجاهِ الدهشةِ، وصولاً إلى ماذا؟
أقولُ الدهشةَ وأقصدُ الكتابةَ. أقولُ الكتابةَ وأقصدُ ذكرياتكِ وجنوني. أقولُ الحدائقَ وأقصدُ زهرةَ الياسمينِ. أقولُ الشوارعَ وأقصدُ شباكَ الأميرةِ المطلَّ على غابةِ قصائدي. أقولُ الصباحَ الجديدَ وأقصدُ زهورَكِ الصباحيةَ على طاولتي. أقول أسلاكَ الغيمِ الماط
أقولُ لأنكِ لم تمهلي فرحي أن يمطرَ فقد انفجرتْ غيمتي على صحراءِ الشرشفِ الأبيضِ ممسكاً بالنافذةِ وأنا أرى انتحارَ بروقي قريباً من أنفاسِ زهرتكِ الظامئةِ.
وصولاً إلى الدهشةِ، وصولاً إلى اللذةِ، وصولاً إليكِ، وصولاً إلى القصيدة المتمنعة... أتناثرُ يومياً في الطرقاتِ كشظايا المرايا وأعودُ مساءً لألملمها على الورقِ... تلك هي حياتي...
واقفاً أتطلعُ إلى ما حولي:
.... أقدامٌ تركضُ، أقلاٌم تركضُ، أحلامٌ تركضُ، تركضُ، تركضُ، تركضُ، تركضُ،.. متى تتوقف أيها اللهاثُ عن الركضِ على جسدِ السريرِ المائلِ من طرفٍ واحدٍ، باتجاهِ رائحةِ الإبطين، باتجاهِ رائحةِ بائعةِ القيمرِ في صباحاتِ الطفولةِ الشهيةِ على السطحِ الصيفيِّ، با
**********
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : انكسارات حرف العين(2)


اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : انكسارات حرف العين


عدنان الصائغ : انكسارات حرف العين 

- فصل أول -
ماذا جنيتَ يا حرفَ العينِ. أعرفُ أنكَ خسرتَ كثيراً حتى الحقول، وأن القصائدَ المخبّأةَ في أدراجكَ سيقرضها الفأرُ، فلا يبقى منها سوى أرقامِ الباصاتِ. وحيداً تصعدُ سلّمَ المجلةِ إلى المحاسبِ، يتبعكَ حشدُ الدائنين… المؤجرُ الشرهُ ذو الكرشِ التاريخيِّ يفصّلُ ش
من أجلِ ماذا - إذن - أنكَ مضيتَ إلى الخرابِ؟ أمن أجلِ حفنةِ قصائدٍ سيقرضها الفأرُ والمؤجرُ، أم من أجلِ شَعركِ الطويلِ الذي يملأُ الآنَ سريرَهُ… يا لحياتي من تاريخِ بكاءٍ سريٍّ، يا لحياتي من جبلٍ شاهقٍ يتسلّقهُ رجلٌ وحيدٌ مجنونٌ… يا لحياتي من ادمانِ امرأةٍ
يا لحياتي - أذاً - من حياةٍ مضاعةٍ... خذوا أيامي كلَّها، قسّموها بينكم أيها الدائنون:
قسطاً للشقّةِ، قسطاً للزوجةِ والأطفالِ، قسطاً للكتبِ، قسطاً للوظيفةِ، قسطاً للأصدقاءِ، قسطاً للذكرياتِ، قسطاً للتسكّعِ، قسطاً للمخاوف، قسطاً لبائعِ الخضراواتِ، قسطاً...، قسطاً...، قسطا،ً قسّموها بينكم - أرجوكم - واتركوا لي حصةَ الشوارعِ. الشوارع وحدها ملك
**********
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : سراب



سرابٌ أم بحرٌ أم مرآةٌ... هذه المرأةُ التي نزفتُ لأجلها أجملَ سنواتِ عمري على الورقِ (ما فائدة أن تحتفظي بأوراقي الآن... ألاجلِ أن تقولي لصديقاتكِ: كان يحبني هذا الشاعرُ حباً مجنوناً؟)... المرأةُ التي بدّدتني كالرملِ في قبضةِ البحرِ، وملامةِ الأصدقاء... ل
أكنتِ تحسبين خطواتكِ معي إلى حدود عتبةِ البيتِ المؤثّثِ، وعندما اكتشفتِ أنْ لا بيتَ لي سوى الشوارع، ولا أثاثَ عندي سوى القصائدِ، ولا كريستالَ سوى الدموعِ... غادرتني إلى أقربِ بيتٍ مؤثثٍ، وقررتِ أن تكوني منطقيةً، أن تنفصلَ خطواتنا: أنتِ إلى دائرةِ الطابو..
وتركتني لوحدي أواجهُ عواصفَ الذكرياتِ ونصالَ الآخرين بقلبي الأعزلِ... عارياً ويتيماً ووحيداً على ضفةِ البحر، وقد أحرقتُ كلَّ سفني... أتلفّتُ إليكِ تلوّحين لي من الضفةِ الأخرى وقد رجعتِ بسفنكِ العامرة...
أيتها النساءُ، يا مرايا الخديعةِ، أيها السرابُ، يا عرقٌ ومكرٌ وتفاحٌ، ها أنني أفتحُ أزرارَ قميصي لرياحكنَّ المتقلّبةِ غير مبالٍ بالطعناتِ أو الرمادِ، ملتذاً بهذا العبقِ الذي يذكّرني بغاباتِ طفولتي المنسيةِ، حيثُ أمي تغزلُ أغصانَ الصفصافِ والتنويماتِ ارجوح
أيتها النساءُ، يا وجعاً دائماً، ولذةً عابرةً، يا ضياعاً، يا شكولاتا، يا أرصفةً، يا نعناعاً، يا حبلَ غسيلٍ، وبصلاً، ودلالاً، وشرشفاً، يا قارةً ثامنةً أقرب بأنفاسها إلى خطِ الاستواءِ أو الجحيمِ منها إلى قطبِ قلبكِ المنجمدِ... يا دولابَ ذكرياتٍ وفساتين سهرةٍ
أيتها النساءُ... أيتها النساءُ... يا أنتِ...
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : مطر



"السماءُ تنسربُ مطراً
أنا عالقٌ بأفواهكنَّ
أيتها السيداتُ، يا قلوباً من الخلِّ الحادِ"
- الشاعر انطونان أرتو -
(1896 ـ 1948)
......
الشوارعُ مبلّلةٌ وذكرياتي أيضاً
وأنتِ على الرصيفِ، وحدكِ، بمظلتكِ الملوّنةِ
الشوارعُ نايٌ حزينٌ
وقلبي وحدهُ يصغي لمعزوفةِ خطوكِ المطريِّ
بينما تدثّرتِ الأشجارُ الهرمةُ
بشيخوختها الصفراء، ونثارِ البردِ
وبدأتْ تدخنُ بشراهةٍ أحلامَها الخضراءَ الماضيةَ
وتثرثرُ عن الحشائشِ العاقةِ، وزعيقِ السياراتِ،
وأمراضِ الشيخوخةِ، والبردِ، وعبثِ عمالِ الكهرباءِ
أتأملُ - على الرصيفِ المقابلِ - ارتجافَ الغصونِ ولا مبالاتكِ
وخطى العابرين الهاربةِ من المطرِ...
يا للباصِ الذي مرَّ ولمْ يلتفتْ
يا للمطرِ الذي لمْ ينقطعْ عن الغناءِ والشماتةِ
يا لقلبي الذي لم يجففْ قميصَهُ المبلّلَ بكِ
ويالخطاكِ التي...
(رنَّ الهاتفُ...
- هلو...
وتصاعدَ قلبي - فجأةً - كغيمةٍ مجنونةٍ من حنينٍ
- هلو... هلو...
سرعان ما تناثرتْ إلى شظايا من الكريستالِ المحطّمِ
حين امتدَّ الصمتُ طويلاً
وانطبقتِ السماعةُ...
تحسّستُ الأسلاكَ بين أصابعي المضطربة
كانتْ ساخنةً تنبضُ بقوةٍ كشريانٍ مقطوعٍ للتوِّ...
إلى أين أتجهُ بأحزاني
وأنتِ بعيدةٌ عني
لماذا لمْ أقلْ لها ذاك
لماذا لا أقولُ لها أن أيامي رمادٌ
وذاكرتي قاربٌ مثقوبٌ
وقلبي مصعدٌ عاطلٌ
لماذا لا أقولُ لها
يا أجملَ عينين على الإطلاقِ
إنني بلا عينيك لا أستطيعُ أن أكتبَ بيتاً واحداً
(- هلو...
لمْ تنطبقِ السماعةُ هذه المرة
أمتدَ الصمتُ طويلاً
أمتد طويلاً جداً
كانتْ تصغي على الخطِ لصوتِ أنفاسي المتقطّعةِ
وكنتُ أسمعُ على الخطِ الآخرِ
ايقاعَ المطرِ......)
***********
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : نميمة...


عدنان الصائغ : نميمة... 

"ولو كان واشٍ باليمامةِ دارهُ
وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا"
- عروة بن حزام -
.....
لا شتاءَ
لا منفى...
سوى لحظاتِ شرودكِ عني
لا مطرَ...
سوى هطولِ شعركِ على صحراءِ طاولتي
لا أشجارَ...
سوى ما تقولين
لا نجومَ...
سوى ما تتركهُ دموعكِ على منديلِ السماءِ الأزرقِ
يا فاتنة...
يا حقلَ ياسمين، ونعاساً، ولوزاً
يا نميمةً، وحمامَ "حضرة"
يا قوسَ قزحٍ، وغابةَ نساءٍ، وشوارعَ من لذةٍ
يا بجعاً، ونهاراتٍ مشمسة، ونعناعاً، وكذباً أبيضَ
يا حديقةً مرشوشةً، يا سطحَ صيفٍ، يا قهوة
يا شفتين منفرجتين بعدَ قبلةٍ
يا كتباً، وباصاتٍ، وصموناً ساخناً، وتسكعاً، وجسراً مقطوعاً
يا ندماً خجولاً، ويوكالبتوز، ومئةَ رسالةِ حبٍّ
يا جسداً من تفاحٍ
يا حباً مرتبكاً لم نقلْهُ بعدُ، وقصائدَ مجنونةً لمْ نكتبْها بعدُ
ومدناً لمْ نزرْها بعدُ
وكفَّين مرتعشتين على طاولةٍ لمْ تَتلامسا بعدُ
أقولُ لقلبي النـزق
أن يتوقفَ عن قرعِ طبولِ الفرحِ لموعدكِ الأزرقِ القادمِ مثل غيمةٍ
خشيةَ أن يوقظَ النميمةَ
أقولُ له أن يكفَّ عن الرقصِ في شوارعِ المدينةِ
مثلَ عاشقٍ مبتديءٍ
خشيةَ أن يعتقلكَ الناسُ في أقفاصِ عيونهم
فالحبُّ أو الفرحُ امرأةٌ مشبوهةٌ
يشتهيها ويخافها الجميعُ
توقفْ عن الغناءِ
أيها القلبُ
أنكَ بهذا تثيرُ حفيظةَ كلِّ الذين لا يعرفون الغناء
********
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : رحيــل


عدنان الصائغ : رحيــل


"كنا نتمشى جنباً إلى جنب ثلاثتنا:
أنا وانوشكا والفراق"
- ناظم حكمت -
......
اقتربتُ منها
اقتربتُ أكثرَ...
وعندما مددتُ كفي لأودّعها...
لمْ أجدْ أصابعي
بل عشر شموعٍ – من الحنينِ -
تذوبُ ببطءٍ...
قالتْ: سأرحلُ
لمْ أصدّقْها...
قالتْ: إنّي راحلةٌ
لمْ أصدّقْها...
وعندما لوّحتْ بكفيها الممطرتين
من وراءِ نافذةِ قطارِ الرحيلِ
لمْ أصدّقْها...
وهكذا مرتْ ثمانيةُ أعوامٍ على غيابها
وأنا لا أصدّقُها...
*
عيناكِ حلوتان وحزينتانِ
عيناكِ رصيفُ وداعٍ مبلّلٌ
وصمتكِ يثيرني أكثرَ
من أيِّ زبدِ بحرِ قصيدةٍ خرجتِ
وإلى أيِّ قرارٍ مجهولٍ سترحلين
أيتها المجنونةُ كقلبي...
أنا شاعرٌ، وأقصدُ: رجلاً مهشّماً
وعطركِ مرايا وبوحٌ وانكسارٌ...
ماذا أفعلُ؟
أمامَ صمتكِ أيتها الشاعرةُ المسكونةُ بالرحيلِ
قلتُ: علّني أزيحُ غمامَ الحزنِ عن رصيفِ شفتيكِ
فوجدتُ حزني يتشظّى
ويمطرُ قصائدَ وياسمينَ وفوضى
آهٍ... أيتها الفاتنةُ
أيها الحرفُ الممنوعُ
الحرفُ الموصولُ، بالقصائدِ... حتى تخوم البحرِ
الحرفُ الوحيدُ،... حتى ذبول الغروبِ على طاولتي
الحرفُ الناحلُ،.. كشجرةٍ سرقوا أحلامها
وخلفوها وحيدةً للخريف
ماذا أفعلُ...؟
غربتي تذبحني أمامَ أبوابِ العواصمِ المغلقةِ
ورجالُ الكماركِ لن يفهموا - بالتأكيد - ولعي بكِ
ولعي المفاجيء المجنون الغريب كزخّةِ مطرٍ
ولعي هذا...
كمْ أنا حزينٌ لذلك
كمْ حزينٌ أنا...
كيفَ لمْ أنتبهْ إلى جوازِ سفركِ، الموقوتِ كلغم
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : البحر صاعداً سلالم المستشفى


عدنان الصائغ : البحر صاعداً سلالم المستشفى

صاعداً سلالمَ المستشفى إلى حيث البحر يطلُّ من الشرفةِ أبيضَ ووحيداً بلونِ الشراشفِ، بعينين دامعتين ترنوان إلى المصلِ الذي يقطرُ بالذكرياتِ، قطرةً قطرةً... أو خطوةً خطوةً... يصعدُ الألمُ سلالمَ نبضي بهدوءٍ أسود، يفتحُ البابَ المؤدي إلى قلبي، يجلس هناك صالب
تفتحين عينيكِ الناعستين بتثاقلٍ لذيذٍ فلا تجدين أحداً..
... الساعةُ الثالثة فجراً، غادرتِ الممرضةُ الخافرةُ إلى سريرها. قرصُ الأسبرين يغطُّ في شخيرهِ، والشوارع أيضاً، وحدهُ الشاعرُ هائماً وراء زجاجِ نافذتكِ يمشّطُ بأنفاسهِ غاباتِ شعركِ المتناثرةِ على الوسادةِ، ململماً عن شرشفِ البحرِ أزهارَ الزبدِ التي تركها ج
في الصباحِ، سترتبكُ الممرضةُ وهي ترى إلى دمِ الشاعرِ يتسلقُ أنبوبَ المصلِ إلى جسدكِ
يستوقفني المصعدُ المكتظُ بالزائرين لاهثاً (مَنْ أنتَ؟) يستوقفني موظفُ الاستعلاماتِ أيضاً (مَنْ أنتَ؟) وكذلك قرصُ الأسبرين (مَنْ أنتَ؟)
من أنتَ…؟..
أشيرُ إلى أنبوبِ المصلِ فيضحكون
أشيرُ إلى البحرِ
فيتَّهمونني بالجنونِ
أشيُر إلى عبقِ جسدكِ وهو يفضحكِ في الردهاتِ، فلا يشمّون سوى رائحةِ الأدويةِ
أشيُر إلى..! إلى ماذا؟
وأسألُ البحرَ: المباضعُ التي تؤلمك أم أظافرُ الآخرين وهي تنهش أمواجك (قلبك المائي)، فيشيرُ إليهم من وراء الصخورِ بأصابع مبتورةٍ..
أرجوكم اتركوا البحرَ في عزلتهِ. البحر الذي يتبدّدُ على الرملِ - كلَّ يومٍ - وعلى قمصانكم، وطاولاتِ الوظيفةِ، وعقاربِ الوقتِ، والشوارع، ومقاعد الباصات...
لا تتهموه بالابتذال
افهموا براءةَ الموجِ، افهموا حزنَهُ المائي، أمواجه التي غسلتْ ملوحةَ المدينة وبدّلتها بالأشجارِ والريحانِ
وأنتِ أيتها المدينةُ يا قلباً من الخلِ والصحراءِ واللافتاتِ ودخانِ المصانعِ
لا تتآمري على البحر. ولأقلْ بوضوحٍ أكثرَ: لا تتآمري على الشعرِ
ينفتحُ البحر على المرايا حيثُ الشاعرُ يجلسُ مخذولاً على الرمل وقد طردتهُ المدينةُ.
ينفتحُ البحرُ على الموسيقى حيثُ الطبالون بالملابسِ المزركشةِ يعزفون "بحيرة البجع" بالطبولِ المثقوبةِ، وحيثُ يقفُ رجلٌ رثٌّ أمامَ بابِ الصالةِ المحتشدةِ يدعى جايكوفسكي لا يملكُ تذكرةَ دخول.
ينفتحُ البحرُ على الفتياتِ وهن يخبّئن العشاقَ الجددَ تحت أسرةِ النومِ ويذهبن إلى الدوامِ الصباحيِّ دون أن يختلجَ لهن جفنٌ.
ينفتحُ البحرُ على صالةِ العملياتِ حيثُ عيناكِ تحدقان في المروحةِ السقفيةِ العاطلةِ وعشِّ العنكبوتِ وتنعسان بفعلِ المخدّرِ شيئاً فشيئاً.
ينفتحُ البحرُ عليهم وهم يتبادلون الصفقاتِ والنكاتِ أمام سريركِ الشاحبِ.
ينفتحُ البحرُ على قلبي وهو يذوبُ في الأنبوبةِ قطرةً قطرةً....
........
***********
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : حجر ومقاطع ويديكِ


عدنان الصائغ : حجر ومقاطع ويديكِ 

أيها القلبُ يا صاحبي في الحماقاتِ
يا جرحَ عمري المديدَ
أنتَ بادلتني الحلمَ بالوهمِ
ثم انحنيتَ ترتّقُ ظلَكَ في الطرقات
أنتَ أوصلتني للخراب
وسميتهُ {وطناً}
ثمَّ بيتاً
فنافذةً نصفَ مفتوحةٍ
أنتَ ضيّعتني
ثم ضعتْ
*
غيومٌ بيضاء مسافرة...
بلا وطنٍ
عندما تتعبُ من الركضِ حافيةً
على أديمِ السماءِ الصافيةِ الشاسعةِ
ستجلسُ على دكّةِ نجمةٍ...
لتبكي...
عندها سيفرحُ الناسُ بقطراتِ المطرِ
يتراكضون على دموعِ الغيم
وهي تبلّلُ عشبَ حياتهم...
يا لعشبِ حياتي
مَنْ يبلّلهُ إذن؟
وأنتِ لا تمرين...
ولا تمطرين...
*
".. لستُ ممن يخدعون العالم. أنتمي بأكملي إلى هذا القطيع العظيم الحزين، قطيع البشر. كافحتُ بذراعيّ الحريقَ في كل مرّة، وعرفتُ الخنادقَ والدباباتِ، وقلتُ دوماً بلا حذرٍ أسوأَ خواطري في وضحِ النهارِ، ولمْ أنسحبْ عندما جاءوا ليبصقوا في وجهي، وتقاسمتُ الخبرَ ا
- أراغون -
*
*
أحبكِ هل تفهمين ذبولي
على زهرةٍ من حجرْ
وهل تفهمين
- إذا ما فتحتِ المظلةَ لصقَ صديقكِ -
حزنَ المطرْ
*
راكضاً...
راكضاً
بين "الحرب" و "السلم"
سقطَ الجندي
وانكسرتْ ساقاه
فظلَّ يتنقلُ بينهما
على عكازيهِ
حتى ماتَ...
دون أن يجدَّ لهما
معنىً محدّداً
*
حط العصفورُ
على شباكي المفتوحِ
وراح يغني
حين رآني ما زلتُ أغطُّ بنومي
صفّقَ جنحيهِ
وشتمني
ومضى نحو الغابة
*
يا ربي...
قلبُ حبيبي من صخرٍ
فلماذا تخلقُ قلبي
من ورقِ النشاف
- من دفاتري القديمة -
*
"أسير في إثْركِ خطوةً، خطوةً
ألا ترين ذلك!؟
فأني أضيعُ خطوةً، خطوةً"
- اميليو برادوس -
*
"إنكِ تتغيرين
لقد تغيرتِ كثيراً
لا أجرؤ على النظر إليكِ
خوفَ ألا أراكِ"
- هنري باربوس -
*********
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : عناءات..


عدنان الصائغ : عناءات.. 

إلى رجل غبي يُسمى قلبي!
متى أستريحُ؟
مَنْ أورثني هذا الحنينَ والبكاءَ والتسكّعَ؟
روحي مدينةٌ مهجورةٌ…
تبحثُ عمن يرممها
أديرُ قرصَ الهاتفِ
لا أحدَ...
أبعثُ برسائل لا عنوانَ لأصحابها
أطرقُ أبوابَ الصحفِ
لا قصيدةَ عندي تصلحُ للنشرِ
ماذا أفعلُ...
كي أوقفَ زحفَ الخريفِ على مساحةِ الخضرةِ المتبقيةِ من عمري؟
ماذا أفعلُ
كي أقنعَ هذا القلبَ اللجوجَ
إنَّ كلَّ ما أفعلهُ بعدكِ حماقات
ماذا أفعلُ...
لأقنعَ نفسي أنني لمْ أعدْ بحاجةٍ لبطاقةِ سفرٍ
فكلُّ مدنِ العالمِ جبتُها على الورقِ
شارعاً... شارعاً
حتى تهرأتْ أقدامي من المشي في دروبها الطويلة
وأنا ساهمٌ في زاويةِ المقهى
*
متى أستريحُ...؟
ما زلتُ - طولَ عمري - مشدوداً لكلِّ شيءٍ
بأسلاكِ الدهشةِ...
مازلتُ ذائباً في قطرة المطر، وهي تنسابُ في خلايا المدينةِ والشجرِ وايقاعِ المزاريب
ما زلتُ وحيداً في الدروبِ المزدحمةِ
ضاجاً بكِ...
كلحنٍ ناقصٍ
وشرائط حمراء لفتاةٍ يتيمةٍ...
مررتُ عليكِ...
ولمْ أجدكِ
قولي ...
إلى أين أتجهُ بأحزاني إذن!؟
هكذا اعتدتُ أن أشرعَ نوافذَ رئتي
لرياحِ الدهشةِ التي تأتيني من كلِّ شيءٍ...
شاعرٌ أنا...
وربما نافورةٌ متفجرةٌ، في حديقةٍ عامةٍ...
أقررُ أن أرسمَ شفتيكِ برعمي خجلٍ
على أغصانِ أوراقي
وانتظرُ السنواتِ، ليتفتحا لي
غير عابيءٍ بنظراتِ الحارس،ِ ووخزِ الأشواكِ، وزهورِ المحلاتِ الإصطناعيةِ
ملتذاً بالرحيقِ...
وهو يسيلُ على سياجِ فمي
*
متى أستريحُ؟
ثمة غابات كثيرة
تنتظرُ الرئات القادمة، التي لمْ يشوهها التدخينُ
ودخانُ الباصاتِ
علي أن أدلكم عليها...
أما أنا
فقد أخذتُ هواءً كثيراً
وعلي أن أصفَ كلَّ الغاباتِ التي حلمتُ بها،
والخنادق التي نمتُ فيها
ودخان المقاهي التي...!
والشوارع، والباصات، والنساءَ والمكتبات، والأحزان
هكذا علي أن أصفَ لكم كلَّ ما رأيتهُ في حياتي
هكذا... بمنتهى العذوبةِ والندمِ
مخبّئاً نصفَ ذكرياتي على الأقل
اقرأ المزيد

عدنان الصائغ : مَنْ قصَّ شعرَها الطويل..؟


عدنان الصائغ : مَنْ قصَّ شعرَها الطويل..؟ 
 
كانتْ لي في طفولتي دميةٌ
سرقوها قبل أن تتعلمَ النطقَ
وتلعبَ معي
وكان لي في صباي حقلٌ ذهببيٌّ من سنابل
قطعوا عنه ماءَ النهرِ
وحبسوا الغيمَ
فاستعنتُ بدموعي
قالوا لي: لا تبكِ... الرجالُ لا يبكون!
فماتتِ السنابلُ
وتفتّتتْ حباتُ القمحِ على بياضِ دفاتري
قبلَ أن تنضجَ
فعوضوني عنها بكتبِ الجغرافيا المدرسيةِ
وصورِ الحقولِ
وعندما كبرتُ
أصبحتْ لي حبيبةُ بشعرٍ طويلٍ وشرائط بيضٍ
لكنهم قصّوا ضفائرها قبل أن تكتملَ قصيدتي
وشنقوا بشرائطها فرحي الصغيرَ
وها أنا الآن
أحسُّ بالغصّةِ كلما مررتُ
أمام محلاتِ الألعابِ
والضفائرِ الطويلةِ
وحقولِ القمحِ
*
كان لي حلمٌ صغيرٌ
ببيتٍ صغيرٍ، ومكتبةٍ، وشرفةٍ تظللها أوراقُ البرتقالِ والأملُ
فالتهمهُ المؤجرُ الشرهُ
ها هو كرشُهُ يزدادُ كلَّ يومٍ...
وها هو نحولي يزدادُ كلَّ يومٍ...
*
كان لي أبٌ
سرقهُ سريرُ المستشفى
فلمْ أعدْ أتذكرُ من ملامحهِ
سوى برودِ الطبيباتِ
وهن يتحدثن لطفولتي عن رئتيهِ
اللتين نخرهما السلُ والفقرُ
بعد عشرين عاماً
أدركتُ لماذا كنَّ يتحدثن ببرودٍ
*
كان لي رصيفٌ للتسكّعِ
وآخر للحبِّ...
وآخر للبحثِ عن عملٍ
أصبح لي رصيفٌ وحيدٌ، ضيقٌ
يمتدُ بي - كلَّ يومٍ - من البيتِ إلى الوظيفةِ
*
كانتْ لي غيمةٌ ماطرةٌ
تسمى القصيدة
عندما لمْ تجدْ أرضاً تؤويها
هاجرتْ
وتركتني وحيداً
على عراءِ النثرِ
*********
اقرأ المزيد